دائماً ما نتحدث عن الحدود ، و كيف يمكن للإنسان حماية نفسه و ذاته بوضع حدود واضحة تقيه أذية نفسه سواء بنفسه أو من الآخرين ، كما تعتبر الحدود الشخصية بمثابة السور الذي يحمي هويتنا و أفكارنا و مشاعرنا ، فهي تمثل المسافة التي نسمح للآخرين بالإقتراب منها و تحدد مدى تأثيرهم على حياتنا ، إن فهم مفهوم الحدود الشخصية و تطبيقها في حياتنا اليومية يساهم بشكل كبير في بناء علاقات صحية و مفيدة و تحقيق التوازن النفسي.
تحدثت في مقال سابق عن الحدود الصحية و الحدود الغاضبة ، و كيف يمكننا بناء حدود صحية متجنبين الحدود الغاضبة التي تنتج غالباً عن عدة تراكمات بسبب عدم وضع حدود صحية منذ البداية.
في هذا المقال سأحدثك عن الحدود الداخلية و الحدود الخارجية و الفرق بينهما ، و كيف يمكنك إنشاءها و تطبيقها في حياتك.
أولاً : دعيني أوضح لك مفهوم الحدود الشخصية بشكل أوضح. الحدود الشخصية هي مجموعة من القواعد التي نضعها لأنفسنا لتحديد ماهو مقبول و غير مقبول بالنسبة لنا في العلاقات مع الآخرين ، هذه الحدود تتطور و تتغير مع مرور الوقت ، و تتأثر بتجاربنا الشخصية و المواقف التي نمر بها ،و هناك نوعين من هذه الحدود ، الحدود الداخلية التي تتعلق بنا شخصياً ، و الحدود الخارجية التي تتعلق بالأشخاص من حولنا .
إذاً .. ما الفرق بين الحدود الداخلية و الحدود الخارجية ؟
الحدود الداخلية تمثل دائماً ما تقولينه لنفسك في لحظات الهدوء ، و ما تحدديه لنفسك و تقومين به من الأشياء المقبولة و الأشياء المرفوضة المتعلقة بأفكارك و معتقداته ، و تحديد مبادئك ، أو ماهية الأشياء المسموح لكِ بالتفكير بها ، و الأشياء المرفوضة رفضاً تاماً أن تأخذ جزء من تفكيرك و وقتك ، أيضاً الحدود الداخلية تتمثل بتحديد العادات و تصنيفها إلى عادات إيجابية يجب الإستمرار فيها و عادات سلبية يجب الإبتعاد عنها.
باختصار: الحدود الداخلية تمثل كل ماهو مقبول أو مرفوض بينك و بين نفسك ، فيما يتعلق بأفكارك و مشاعرك و سلوكك ، فهي تتعلق بكيفية تعاملك مع نفسك ، و كيف تفكري في نفسك ، و ماهي القيم التي تؤمنين بها.
الحدود الخارجية: هي تلك القواعد و الضوابط التي نضعها لتحديد كيف نسمح للآخرين بالتفاعل معنا، فهي تتعلق بكيفية تعاملنا مع الآخرين ، و كيف نسمح لهم بالتعامل معنا و التأثير علينا ، و ماهي الأشياء التي نقبلها من الآخرين و ما هي الأشياء المرفوضة ، و ما المسموح أن نقوم به من أجل الآخرين و ماهي الأشياء الغير مسموح بأن نقوم بها أو نتنازل عنها من أجل أي شخصٍ آخر ، أيضاً الحدود الخارجية تتمثل بتحديد الوقت الذي نقضيه مع الأصدقاء و العائلة و تحديد نوع العلاقات التي نرغب في إقامتها أو تحديد المعلومات التي نشاركها مع الآخرين.
السؤال الآن .. لماذا يجب عليك الجلوس مع نفسك بعض الوقت و وضع حدودك الداخلية أولاً ثم الخارجية ؟
لأنه و بساطة من خلال هذه الحدود ستتمكني من حماية نفسك سواءً من نفسك بتحديد الأفكار التي تزعجك ، أو المواضيع التي لا يعجبك الحديث فيها ، أو العادات المدمرة لك ، بوضعك لهذه الحدود الداخلية ستتمكني من حماية نفسك من الأشياء و الأفكار التي ترهقك بالإضافة إلى أنها ستحميك من استغلال الآخرين لكِ و ستمنعهم من تجاوز حدودهم معك .
إضافةً إلى أنك عندما تضعين حدوداً واضحة لنفسك ستشعرين بمزيد من الثقة بنفسك و قدرتك على إتخاذ القرار، بالإضافة إلى أن الحدود ستساعدك في زيادة وعيك بنفسك و احتياجاتك و رغباتك.
و الآن دعيني أخبرك ببعض النقاط التي من خلالها ستتمكنين من وضع حدود شخصية صحية متينة:
١ـ حددي قيمك ، ماهي القيم التي تعتبرينها مهمة في حياتك و استندي إليها في وضع حدودك .
٢ـ تعلمي التعبير عن احتياجاتك و رغباتك بوضوح و صدق.
٣ـ استمعي و انتبهي لأحاسيسك الجسدية و العاطفية ، و استخدميها كدليل لتحديد ماهو مناسب لكِ و ما هو غير مناسب.
٤ـ تعلمي التواصل بفعالية مع الآخرين حول حدودك و استخدمي كلمة ( أنا ) بدلاً من أنت للتعبير عن مشاعرك.
٥ـ كوني ثابتة في التمسك بقراراتك ، ولا تخافي من قول ( لا ) إذا لزم الأمر.
في الختام .. ثقي دائماً أن وضع حدود شخصية صحية هي عملية مستمرة تتطلب الممارسة و الصبر ، و أنكِ ربما تعانين من مقاومة الآخرين لكِ و هذا شيء طبيعي ، لأنهم لم يعتادو بعد ، لكن تمسكي بحدودك و سترين الفرق بعد فترة قصيرة .
